محمد سعيد رمضان البوطي

120

فقه السيرة ( البوطي )

وكان مما مهّد أفئدتهم لقبول الإسلام ، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم ، ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم ، فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال ، قال لهم اليهود : إن نبيا مبعوث الآن قد أطل زمانه ، سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ! . فلما كلم الرسول هؤلاء النفر ، ودعاهم إلى الإسلام ، نظر بعضهم لبعض وقالوا : « تعلموا واللّه أنه النبي الذي توعدكم به يهود ، فلا يسبقنكم إليه » . فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الإسلام ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم اللّه بك ، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك . ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل « 1 » . بيعة العقبة الأولى وانتشر الإسلام خلال تلك السنة في المدينة ، ولما كان العام الذي يليه ، وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا ، فلقوه بالعقبة ، وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على بيعة النساء - أي على نمطها في البند التي بايع النساء عليها ، أي إنه لم يبايعهم فيها على الحرب والجهاد ، وكانت بيعة النساء ثاني يوم الفتح على جبل الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال - وكان منهم : أسعد بن زرارة ، ورافع بن مالك ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الهيثم بن التيهان . وقد روى عبادة بن الصامت خبر هذه المبايعة ، فقال : كنا اثني عشر رجلا ، فقال لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن وفي منكم فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه فأمره إلى اللّه إن شاء عاقبه ، وإن شاء عفا عنه » . قال عبادة بن الصامت : فبايعناه على ذلك « 2 » .

--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أشياخ من قومه ، وانظر سيرة ابن هشام : 1 / 428 . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب وفود الأنصار وبيعة العقبة ، ومسلم في كتاب الحدود ، وفي اشتراك عبادة في هذه البيعة كلام طويل ، انظر تحقيق ذلك في فتح الباري عند شرح هذا الحديث .